لا أتذكر أبي جيدًا، فقد رحل قبل بلوغي الرابعة. كل ما أحمله عنه ذكريات ضبابية مشوشة. أذكر انتظاري له على أعتاب البيت الإسمنتية. ما أن يحين موعد عودته إلى البيت حتى تُسرّبني أمي للشارع.
يهلُّ كالعادة معفرًا، أهرول إليه، أشبُّ عليه، وينحني ويلتقطني في حضنه. يخرج لي من جيبه الخلفي بسكويت سامبا. تبهرني زهرة عباد الشمس المطبوعة على الباكو.
أفتح البسكويت من خلف ظهره متوقعًا أن أجد الزهرة البراقة تستقبلني. يخيب أملي... فقط رقائق الشوكولاتة.
يخطو أبي إلى داخل البيت، يغلق خلفه الباب بالترباس، يقول وأنا على كتفه: «اعمل نفسك نايم، أمك هتنزل تشيلك.»
ينادي على أمي بصوته العالي من أسفل السلم، فتطل برأسها من أعلاه.
يلقيني أبي من على كتفه إلى حضنها، وتحمل عنه كيسًا من البلاستيك كان يحمله، وتصعد أمامه تجري، ويعلو صوتها بالمداعبة.
تمثيليتي الصغيرة تنكشف. تقرصني، أضحك، تقول: «والنبي عارفة إن العلق صاحي!»
تجلسني في الصالة أمام التلفاز، تدخل بالكيس إلى المطبخ، يدخل أبي إلى الحمام. دقائق ويخرج شعره مُبلَّلًا، ويجلس بالفانلة واللباس.
يخرج أبي علبة سجائره ويشعل واحدة، تضع أمي صينيتها الألومنيوم بيننا، يقضم قطعة صغيرة من مستطيل بني يفتتها بأصابعه. أظنها حلوى.
«آبا، هات حتة.»
يرد وهو يلف سيجارته: «حشيش، لما تكبر.»
يغلق السيجارة ولا يشعلها، سيتعشى أولًا.
تضع أمي أطباقها.
يغلبني النعاس، أسمعهم يتناوشون. أبي لا يريد إيقاظي.
وأمي تتدلل: «حرام الواد ينام من غير عشا!»
تنتصر أمي في النهاية، ولا لكني لا أكون يقظًا بالكامل، آكل ولا أشعر بدنيا.
تتناهى إلى مسمعي كلماتٌ فاحشة.
أشعر بالبرد، يتسرب الماء الدافئ بين فخذي، يزعجني البلل، أستيقظ وسط كومة على الأرض من النيام. الغرفة غريبة، النور مضاء، ولكنها وحشة الأجساد الصامتة.
خِفتُ، بكيت بحرقة. دلفت امرأة، راحت تتخطى الأجساد بحرص، وصلت إليَّ، رفعتني من تحت إبطي.
هدأتُ. كنت أميز زوجة عمي وأعرفها، اطمأننت، سألتها: «أبويا فين؟»
قالت: «أبوك راح الحِج.»
أنزلتني في الحمام.
حمّمتني، خرجت بي عاريًا. اختارت لي ما يناسبني من ملابس عيالها، ألبستني شورتًا وهي تشير إلى ما بين فخذي قائلة: «حمامة صغيرة.
راحت تعدل التشيرت المقلوب.
جذبت التشيرت من يدها وأنا أقول:
: «أبويا عنده حمامة كبيرة.»
ضحكت ضحكة رائقة، ثم وكأنها انتبهت إلى حقيقة غائبة، غلب عليها الأسى وهي تقول: «أمك مابتعيطش عليه.»
جريتُ حافيًا إلى الخارج.
الشارع مفروش بالحصر ومغلق بصيوان.
لا أعرف من الذي يحملني.
أمي جالسة على الأرض تتشح السواد، يدها على خدها وسط نسوة يتشحن السواد.
أشدها من طرحتها: «أبويا فين؟»
ترد عنها عمتي وهي تنهنه: «راح الحج.»
«طب بتعيطي ليه؟»
تساندها خالتي: «ضربها يا حبيبي قبل ما يمشي.»
عقلي الصغير لا يقتنع، فأعيد التوجه إلى أمي: «أبويا فين؟»
«أبوك مات.»
«مات؟ يعني راح ومش راجع تاني؟»
كانت عيناها حمراوين، متورمتين. شفتاها متشققتان، ووجهها جامد.
قذفتُ الملابس في وجهها، صككتُها على خدها، ألقيتُ نفسي في أحضانها، بكيتُ، وبكَتْ، ثم لم تتوقف عن البكاء حتى وفاتها...
-----------------------
بقلم: محمد رحيم







